حسن بن عبد الله السيرافي
217
شرح كتاب سيبويه
والاستفهام كلّها بمعنى السؤال والاستدعاء ، وكذلك " أن " لأنه في صلة الطلب بقولك : نشدتك اللّه أن تقوم ، وكذلك نشدتك اللّه لا تقم ، قال الشاعر في الأمر : عمرك اللّه ساعة حدّثينا * ودعينا من ذكر ما يؤذينا " 1 " وقال الآخر في الاستفهام : عمرك اللّه أما تعرفني * أنا حرّاث المنايا في الفزع " 2 " لأنّه في معنى الطلب والمسألة ، وعمّرتك اللّه إلّا فعلت كذا وكذا ، كما تقول : باللّه إلّا فعلت كذا وكذا . ومثل ما ينصب ذلك قولك للرجل : سلاما أي : سلاما منك . وعلى هذا قوله عزّ وجلّ : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً " 3 " . معناه : براءة منكم ، لأنّ هذه الآية في سورة الفرقان ، وهي مكية ، والسّلام في سورة النّساء وهي مدنيّة ولم يؤمر المسلمون بمكّة أن يسلموا على المشركين ، وإنما هذا على معنى : براءة منكم وتسلّما ، لا خير بيننا وبينكم ولا شرّ ، ومنه قول أمّية : سلامك ربّنا في كلّ فجر * بريئا ما تغنّثك الذّموم " 4 " أي : تنزيها من السّوء ، ومعنى ما تغنّثك أي : تلزّق بك صفة الذم . وكان أبو ربيعة يقول : إذا لقيت فلانا فقل سلاما ، ومعناه : براءة منك . قال : ( فكل هذا ينتصب انتصاب حمدا وشكرا ، إلا أن هذا يتصرّف وذاك لا يتصرّف ) . قال : ( ونظير سبحان اللّه من المصادر في البناء والمجرى لا في المعنى " غفران " لأن بعض العرب يقول : غفرانك لا كفرانك ، يريد : استغفارا لا كفرا ) . وجعل فيما لا يتمكن لأنه لا يستعمل على هذا إلّا منصوبا مضافا ، وكذلك قوله تعالى : وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً " 5 " . أي : حرما محرّما ، ومعناه : وتقول الملائكة :
--> ( 1 ) البيت لعمرو بن أحمد الباهلي ، المحتسب 1 : 100 . ( 2 ) همع الهوامع 2 : 45 ؛ الدرر 4 : 252 . ( 3 ) سورة الفرقان ، الآية : 63 . ( 4 ) البيت لأمية بن أبي الصلت : ديوانه : 54 ، تاج العروس ( غنث ) . ( 5 ) سورة الفرقان ، الآية : 22 .